أرييه درعي - أيمن عودة
Olivier Fitoussi/Flash90

بين عودة والطيبي ومنصور توتر يتسعّر وهاتف معطل مكسور!

انتصارات المعارضة تأتي بفضل المشتركة وتصب في مصالحها فقط، هل سيستمر هذا التعاون بين المشتركة والليكود والصهيونية الدينية؟
فالح حبيب
11 تشرين الثاني 2021
11:57

 ما ينتهي فصل عاصف مِن فصول المشهد المتوتر بأقل تقدير ووصف بين الموحدة والمشتركة، حتى يبدأ فصل آخر ومشهد آخر من المناكفة السجال والجدال، فلم تمضِ بضع أسابيع عن التصويت لصالح إقامة لجنة تحقيق برلمانية في شؤون التربية والتعليم للنائب أحمد طيبي، مرورًا بالتصوّيت على قانون ربط البيوت بالكهرباء، وما بينها كثير، وصولا إلى يوم أمس والتصوّيت على مشروع قانون إقامة مستشفى أول في المجتمع العربي، في سخنين، للنائب أيمن عودة.

المشتركة، ورغم توجهات كثيرة لها للتحلي بالتروي والانتظار والعمل على تقديمه بالتنسيق المشترك مع الموحدة وميرتس والائتلاف، إلا أنها أصرّت على طرح مشروع القانون لماذا؟

إقامة مستشفى عربي أول ليس بمشروع جديد

حقيقة قانون إقامة مستشفى عربي أول في البلاد ليس بمشروع قانون جديد، بل كان قد طرحه في عام 2001 النائب د. أحمد طيبي في الكنيست الـ 15، ومن ثم أعاد طرحه النائب السابق عن الموحدة المحامي عبد المالك دهامشة في عام 2004 في الكنيست الـ 16، ومن ثم بعث أيضا النائب أيمن عودة، هو الآخر آنذاك قبل نحو عامين ونصف، في عام 2019، طلب يقضي بإقامة مستشفى في بلد عربيّ لنائب وزير الصحة السابق (وزير الصحة) ليتسمان، ولكن كانت كل مرة مِن جديد موازين القوى داخل البرلمان تحول دون تمريره، واستمرت الأحزاب العربية بطرحه، وكانت دائما الموحدة إما مبادرة أو داعمة مِن كل موقع لهذا القانون، فما الجديد؟ هل هو دخول الموحدة للائتلاف وحساباتها الداخلية الائتلافية، هل حقا المشتركة تستغل هذه المقترحات وتواصل طرحها فقط لمعرفتها المسبقة بتصويت الموحدة ضدها وبالتالي مواصلة احراجها؟ ولكن أليس هذا السبب، "احراج الموحدة"، بات يُراد منه تعطيل عمل المشتركة بشكل ممنهج وكامل، بمعنى هل يُعقل أن تتوقف المشتركة عن طرح القوانين فقط لأنها في المعارضة وكل مشروع قانون تطرحه سيُحرج الموحدة؟! باعتقادي المتواضع وكون المنافسة "معركة طاحنة" بأوجها، وكل مِن موقعه، هذا المعيار يجب ألا يلعب دورا في حسابات المشتركة سياسيا ومجتمعيا.

المشتركة أدركت أنه سيكون سوء تقدير سياسي منها إذا قبلت بهذه القواعد التي تحاول الموحدة فرضها، وبالتالي يقودها لتجميد عملها فقط لأن هناك مَن يدعي دائما أنها تحاول احراجهم. واضح أن هناك مَن يعمل بذلك لفرض إقامة جبرية على المشتركة في المعارضة مع وقف عملها وتعطيله، ليتحول هذا التبرير لذريعة وغطاء يرمي كما هو واضح لضرب دور المشتركة كمعارضة شرسة لها أسنان تكتيكا واستراتيجيا دون تحقيقها أي منجز حتى كمعارضة.

ما دفع بالمشتركة أن تُصرّ على طرح قانونها ومواصلة التصويت عليه ولم تسحبه، لتُصادق عليه بنهاية المطاف الكنيست من خلال القراءة التمهيدية.

ليُسأل السؤال، ما الذي كان خلف الكواليس وكيف نجحت المشتركة مرة أخرى تمرير مشروع قانون آخر لها؟

خبرة الطيبي ودرعي تحسم التصويت لصالح المعارضة

مهندسو نجاح المعارضة، "ثعلبان" طبختهم الأيام خبرة وحنكة ودراية برلمانية، طلبوا من "يعقوب آشر" طلب غيّر مجريات التصويت، فماذا طلبوا منه؟! 

كالعادة، مرة أخرى خبرة الطيبي ودرعي تحسم التصويت لصالح المعارضة التي تسعى بشكل دائم ومتواصل لتسجيل صورة نصر ضد الائتلاف ليس إلا.

علاقات الطيبي ودرعي العابرة للأحزاب والتعاون التراكميّ بين الطيبي ودرعي وغافني مرة أخرى يلعب دورًا هامًا في حسم منافسة محمومة.

درعي يلعب دور العرّاب ومُسيّر العلاقات والوسيط بين المشتركة وباقي مركبات المعارضة نظرا لطبيعة علاقة المشتركة المتوترة مع مُركّز المعارضة "ياريڤ لاڤين" الذي لطالما وصفهم بداعمي الارهاب، بما فيها الليكود والصهيونية الدينية، ليلعب التقاء المصالح في هذه المرحلة، وكل بحسب أهدافه، دورا هاما مؤخرا، فمعارضة نتنياهو تُريد اِثبات هشاشة ائتلاف بينيت لبيد، وبالتالي نزع الشرعية عنه واسقاطه، وبالمقابل المشتركة تريد تمرير مصالحها لتوجيه ضربات للموحدة لإضعافها، وبالتالي كسر قاعدتها التي تحاول فرضها مؤخرا، وبحسبها لا يمكن تحقيق مُنجزات حتى لو كانت "مؤقتة" من داخل المعارضة.

قد تتفق معهما أو لا، وقد تكون ضدهما، ولكن كلاهما يُجيدان اللعبة البرلمانية بتفاصيلها المملة ولديهم جهاز استشعار حساس جدا لما يجري في الكنيست وفهم عميق لقواعد اللعبة و "فنون التجاوز والمناورة والمراوغة". كانوا يعلمون كل شخص ماذا سيُصوّت، وبناءً عليه قرروا المعاوضة "التغيّب التبادلي". انتبه ماذا فعلوا! كان هناك 6 اتفاقيات معاوضة "تغيّب تبادلي" في المعارضة، أمر كان لا بد أن يقود لخسارتهم، فطلبوا مِن النائب عن يهدوت هتوراة "يعقوب آشر" الذي كان بينه وبين الوزير جانتس اتفاق "معاوضة" أن يخبره مسبقا أن اِتفاق المعاوضة بينهما يشمل كل القوانين باستثناء قانون اقامة المستشفى في سخنين،  هذه عيّنة من الثعلبة على سبيل المثال لا الحصر!

منصور عباس بعد التصويت: المشتركة تتآمر مع نتنياهو وبن غفير

ما يحدث على الساحة السياسية ويتواصل سيرفع مِن منسوب المنافسة "المعركة"، وبالتالي التوتر القائم والقطيعة بين القائمتين ومنسوب التحدي والتفكير الدائم بأدوات تكتيكية مناورة ومراوغة جديدة بأقل وصف وتقدير. فانظر معي إلى رد النائب منصور عباس لي

من خلال تصريح أوليّ فور الانتهاء من التصويت ويعكس غضبا: "المشتركة تتآمر مع نتنياهو وبن غڤير لحل الكنيست والذهاب لانتخابات تأتي بنتنياهو رئيسا للحكومة لعشر سنوات قادمة، هدفهم السياسي إحراج الموحدة، حتى لو كان الثمن عودة نتنياهو للحكم".

في الوقت الذي تواصل فيه بالمقابل المشتركة التأكيد على أنها تعمل لتمرير مشاريع قوانينها لا لتُناكف، وهذا ما أكده لي رئيس كتلة المشتركة النائب أحمد طيبي بتصريح أولي هو الآخر فور الانتهاء مِن التصويت والاعلان عن النتيجة:

"نتيجة مهمة بعد عمل برلماني متواصل في الفترة الاخيرة. المهمة لم تكن سهلة والتحدي كان كبيرا.

القائمة المشتركة تطرح قوانينها كي تمر وليس كي نناكف احدًا. وسوف نستمر بطرح قضايا حارقة للمجتمع العربي بلا تردد".

انتصارات المعارضة تأتي بفضل المشتركة وتصب في مصالحها فقط

ما هو مؤكد مؤخرا وتعكسه الحقائق، أن كل "انتصارات" المعارضة تأتي بفضل المشتركة وتصب في مصالحها فقط، أمر لن تقبل به طيلة الوقت باقي مركبات المعارضة، حاليا تفوّت فقط لإحراج بينيت ولبيد ووراء الأكمة ما ورائها.

وسؤال الأسئلة، هل سيستمر هذا التعاون بين المشتركة والليكود والصهيونية الدينية وغيرها ليتعدى مرحلة تمرير قوانين المشتركة من خلال التصويت في القراءات التمهيدية؟! ربما نعم وربما لا كبيرة، ولكن الغالب أنه "لا كبيرة"، لتبدو هذه "الانتصارات" آنية لحظية، فنتنياهو وبن چڤير وغيرهم لن يتغيّروا بين ليلة وضحاها فيما يتعلق بقضايا الجمهور العربي، والتسحيج والفرح معا لن يستمرا كثيرا.

منسوب الشك في أوجه بين الائتلاف والموحدة

الائتلاف غاضب ولن يبقى على "حجر سنمار"، والموحدة بعد الخروج عن دائرة الانضباط الائتلافيّ عليها ترتيب أوراقها بحكمة وحذر لكن بإصرار 

منسوب الشك وعدم الثقة المتبادلة بأوجه، وسيستمر في الوقت الذي بدأ يظهر فيه النائب منصور عباس "كفاقد للسيطرة" على قائمته ونواب الموحدة وهذا نقطة قوته أمام شركائه، الأمر الذي سيُستغل كمأخذ على الموحدة وسيكون له تداعيات مِن باب "لا تعايرني يا أبو صوي وأنا أحسن منك بشوي" مِن باقي مركبات الائتلاف، فعندكم مازن وعندنا شيكلي وغيره، رغم أن النائب منصور عباس مِن باب الانصاف لا يسعى لتضييق واِحكام قبضته على القائمة، بل هو مع التعددية الداخلية التي تقود بالنهاية لبلورة موقف جامع متفق عليه خارجيا، ولكن ما العمل؟! يبقى هو المسؤول أكثر من غيره كونه يقف على رأس الهرم أمام الائتلاف وقادته، ما يضع الموحدة في محط الانتقاد مِن شركائها ويضرب ويضعضع الثقة بينها. انظروا، ها هي تصريحات أحزاب جناح اليمين في الحكومة باتت تعكس وتؤكد ذلك، تابعوا التصريحات الصادرة عن طريق طرف ثالث أو مباشرة الصادرة حزب يمينا.

على الموحدة أن تقوم باستخلاص العبر وترتيب أوراق باتت تبدو مبعثرة، فالائتلاف لن يسمح أن يبقى مبنى حكومته يرتكز على "حجر سنمار" بحالة وتسعّرت أزمة الثقة واستمرت بين مركبات الائتلاف.

وهذا ما تدركه جهات سياسية في الموحدة وتجهر به بعكس قادتهم الذين يُسرّونها في نفوسهم، فالجهات لم تُخفِ غضبها وفي نفس الوقت قلقها، ووضّحت أن النائب مازن غنايم رفيق درب وشريك مسيرة حقيقي يعلم بنهج الموحدة مسبقا، لكنه بات مؤخرا بنهجه وتصويته المستقل منفذا لإحراجها، ما قد يضرب نجاح ما أسموه "التجربة الجديدة" التي خاضها على دراية مسبقا، ويتساءلون ما الذي تغيّر؟!

وأتساءل أنا أيضا ما الذي تغيّر؟ فقادة الموحدة كانوا يعلمون بتصويت النائب مازن غنايم وكانوا يعلمون أن مثل هذا القرار لاعتباراته الخاصة، وهي كثيرة، لا يمكنه أن يصوّت ضده، أم أن جزءا منهم مع ذلك تفاءل حتى لحظات التصويت الأخيرة؟! لهذا النائب مازن غنايم خرج مصرّحا بشكل واضح أنه سيُقدم استقالته في المستقبل بحالة ووجد تصويته يتعارض ويتضارب مع مصالح الموحدة والانضباط الائتلافيّ ووجد نفسه في مثل هذه المواقف المُحرجة.

بالمقابل قادة الموحدة تواصل بث الاستقرار واحتواء أي توتر وأزمات داخلية هي بغنى عنها وهذا بدون أدنى شك مِن مصلحتها حاليا، لأن الاشارة للنائب مازن غنايم بهذا الشكل سيظهره كحلقة أضعف في عقد الموحدة وسيُحوله مدعاة ضغط دائمة وسيترتب على ذلك تداعيات كثيرة حاليا.

بكل الاحوال، الموحدة عليها حسم بعض أمور داخلها بحنكة وحذر وهدوء، فالتوتر البارد و "التصدع الصامت" داخلها والذي لطالما حاولت تجاوزه ودحرت مواجهته، لاعتبارات عديدة أبرزها عدم احداث ضعضعة داخل القائمة تنعكس على قوة مطالبها وتحقيقها، وكذلك سبب خاص باعتقادي، فمن كان خلف تعزيز صفوف الموحدة بالنائب مازن غنايم هو رئيس القائمة منصور عباس الذي بات هناك من يُعايره بذلك همسا غمزا ولمزا.

الموحدة عليها اعادة حساباتها لتجاوز الضرر البسيط في جناح طائرتها واحكام اغلاق أي منفذ لمياه قد تتسرب لسفينتها المُبحرة وسط محيط عتيّ في أجواء عاصفة.

المحلل السياسي والصحفي فالح حبيب