الهروب من السجن
كولاج

"صورة، كلنا عايزين صورة تحت الراية المنصورة"، تمام ماذا بعد؟

حدث هروب السجناء الفلسطينيين يلقي بظلاله على الحلبة السياسية
الصحفي والمحلل السياسي فالح حبيب
09 أيلول 2021
13:54

"صورة، كلنا عايزين صورة تحت الراية المنصورة"، تمام ماذا بعد؟

 

بقلم: فالح حبيب

 

مَن يتابع حدث "الهروب الكبير"، هروب السجناء الأمنيين الفلسطينيين مِن سجن الجلبواع الإسرائيلي، هذا الهروب المتدحرج الذي لم ينته بعد ولن ينته، سيبقى حاضرا في المشهد الفلسطيني لطالما بقيت قضية الأسرى عالقة ولا زحزحة في الأفق السياسي، وهذا ما لا يريده السياسيّ الإسرائيلي. فالمزاحمة والمنافسة في هذه المرحلة بين الطرفين للحصول على صورة نصر تصب برفع المعنويات الشعبية الجماهيرية، قبل الحدث أو بعده وكل بحسب أهدافه، وتعيد القضية الفلسطينية والأسرى الفلسطينيين على وجه الخصوص لتتصدر المشهد، رغم أن هناك مَن عمل لسنوات على تغييب هذه القضية عن المشهد والحوار الجماهيري المحلي والعالميّ، هناك مَن يريد تفويتها على الجانب الفلسطيني وأصحاب الحدث نفسه، "الهاربين" مِن السجن للكثير مِن الاعتبارات، أبرزها عدم ضرب صورة وهيبة الأجهزة الأمنية في إسرائيل وقوة ردعها، لهذا ترى الأجهزة الأمنية تعمل بكل جهد وتُقلّب كل حجر لوضع يدها على "الهاربين"، وبالتالي إنهاء هذا الملف بأسرع وقت ممكن، لتبدأ مرحلة استخلاص العبر. لكن ما لا يمكن شطبه مِن الذاكرة الجماهيرية أن هناك مَن تمكن مِن كسر شوكة هيبة الأجهزة الأمنية ومصلحة السجون واختراق المنظومة الأكثر تقدما تكنولوجيا ما قد يدفع بهذه السلطات نحو التشدد أكثر واتخاذ خطوات تقود لتصعيد الأوضاع في المنطقة حفظا لهيبتها وإشباع "الأنا" (الايجو)، رغم أنها تسعى أو تتظاهر أنها تعمل بشكل جراحي حساس لئلا تصل إلى ذلك. ولكن بكل الأحوال هناك أمور لا تهم نهاياتها بقدر بداياتها، وهذا الحدث مِن النوع الذي بدايته مهمة للجانب الفلسطيني ونهايته أكثر، فالشارع الفلسطيني الذي يتوق لأي صورة نصر ترفع من معنوياته الشعبية "وتفش خلقه" خرج سعيدا مباركا لكنه لم ينس الابتهال لسلامتهم، في الوقت الذي فيه يحاول الجانب الإسرائيلي إنهاء هذا الملف سريعا وقطع دابر تداعياته وانعكاساته على المدى البعيد، وبذلك يحاول الطرفان تسجيل صورة نصر كل لأهدافه الأمنية والشعبية وتعزيز المعنويات، قبل وبعد، في جبهته الداخلية والسياسية الخ. والسؤال أين بينت السياسيّ مِن هذا الحدث؟

 

سيكون مِن "النوع الأسد" يقود حيث يجب أم "ثعلب" يقود حيثما يُراد

 

رئيس الوزراء نفتالي بينت الذي لطالما كان رافضا للتوصل إلى أي تسوية مع الجانب الفلسطيني، بل وتباهى بموقف تيار الصهيونية الدينية الذي يمثله وأنه أحبط مضمون "خطاب بار ايلان" وخطاب حل الدولتين للشعبين قولا وفعلا وطرح قضية الضم، فرض السيطرة الإسرائيلية على جميع الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وعمل على تطبيقها، سرعان ما تحول لبينت السياسيّ التكتيكيّ حاليا، مغيبا "بينت السياسي" مقابل ابراز بينت رئيس الحكومي المهني الموزون، يحاول عدم المبالغة والإفراط بالحديث عن الهروب الكبير كسياسي لاعتبارات كثيرة، أهمها أيضا تحسبا ومنعا لئلا يُسجل إخفاق كبير في "ورديته"، بل يحاول تفويت هذه الفرصة على منافسيه وترك انطباع أن ما يحصل هو جزء مِن التركة التي ورثها، بإشارة تكتيكية إلى أن مَن يتحمل المسؤولية هي حكومات نتنياهو المتعاقبة التي أخفقت بالكثير مِن الملفات أبرزها هذا الملف. هو يتصرف في هذا الملف كرئيس الحكومة المهنيّ بعيدا عن بينت السياسيّ، لكن هذا النهج سرعان ما سيتغيّر يوم ما بعد إغلاق هذا ملف "الهروب الكبير"، فإما تقود إلى تحول بقناعات بينت السياسيّ لتحريك مياه العلاقات السياسية الراكدة مع الجانب الفلسطينيّ، وإما يبقى رئيس حكومة "عادي" يعمل في سبيل الحافظ على الوضع الراهن وتمرير الوقت خلال "ورديته"، لكن سياسيا متشددا قابعا في مواقفه وأيديولوجيته الرافضة للاعتراف بحقوق الفلسطينيّ في البلاد، وبالتالي يقود حيث يُراد منه وليس حيثما يجب كالقادة الذين حفروا أسماءهم في التاريخ والوعي الجماهيريّ والذاكرة، قابعا في السير بين النقاط وخلق توازنات، توازنات بين قناعاته الأيديولوجية الأساسية المتشددة وشعبيته في اليمين وطلبات الجانب الأمريكي منه. بينت لم يدفع بمقربيه للخروج فورا بعد لقاء "جانتس عباس" ليبرروا أن الزيارة هي على علمه وأنها لا تعني بالضرورة عن فتح قنوات اتصال مباشرة مع الجانب الفلسطينيّ في المحور السياسيّ عبثا، فهو أراد إثبات أنه سيد وصاحب القرار في هذه الحكومة، حكومة "كل حزب يتصرف كحكومة" لها أجندتها الخاصة وما تدفع به مِن جهة، ومِن جهة أخرى أراد قطع الطريق على كل مَن سيستغل هذه الجلسة لتوجيه ضربة له في اليمين. هي رسالة طمأنة ومحاباة لليمين، ما يؤكد أنه لم يتنازل بعد عن الأصوات التي يحظى بها مِن اليمين المتشدد، وربما مؤشرا كبيرا لتمسكه بمواقفه وأيديولوجيته. ليبقى السؤال، بينت سيواصل الحفاظ على الوضع الراهن وتمرير الوقت وكسبه كسياسي مِن "النوع الثعلب" ويُراوغ، أم سيكون سياسيا مِن "النوع الأسد" يقود حيث يجب وليس حيثما يُريد اليمين، متخذا لقرارات تُعتبر بمثابة كسر عظم مِن وجهة نظر أبناء شعبه؟!

سؤال سيمنحنا الزمن إجابات عليه، رغم أن المؤشرات والتحركات تؤكد أن هذه الحكومة، حكومة بينت الرافض لأي مفاوضات وحل سياسي ولبيد الذي يُبدي مواقفا أقل تشددا في الشأن، هي حكومة توازنات "ميزانيات ومدنيات"، تمتنع عن إحراج نفسها مِن خلال الخوض في القضايا السياسية العالقة التي هي بمثابة امتحان كبير لقوة تماسكها وتحد كبير لها في نفس الوقت نظرا لتركيبتها.

بينت ماذا ستفعل؟